محمد علي الحسن
258
المنار في علوم القرآن
وهو لا يعرف أحوال البشر ، وكيف اتحدوا ، وكيف تفرقوا ، وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها ، وهل كانت نافعة أو ضارة ، وما ذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم . أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية ، وعن آياته في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس ، وهو إجمالي صادر عمن أحاط بكل شيء علما ، وأمرنا بالنظر والتفكر ، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا ، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره ، لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده ، لا بما حواه من علم وحكمة . رابعها : العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن ، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي ، أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم ، لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث به لهدايتهم وإسعادهم ، وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها ، إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه ؟ هل يكتفى من علماء القرآن - دعاة الدين والمناضلين ضد التقليد - بأن يقولوا تقليدا لغيرهم : إن الناس كانوا على باطل ، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة ؟ كلا . وأقول الآن : يروى عن عمر أنه قال : ( إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى أن ينقض عرى الإسلام عروة عروة ) ا ه . والمراد : أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله ، يجهل تأثير هدايته وعناية اللّه بجعله مغيرا لأحوال البشر ، ومخرجا لهم من الظلمات إلى النور ، ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي ، كما ترى بعض الذي يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو ؛ لأنه من ضروريات الحياة عندهم ، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر ، وتأثير تلك الآداب ومن أين جاءت .